أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
159
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
فانظر كيف رفع إبراهيم صلوات اللّه وسلامه عليه همته عن الخلق ووجهها إلى الملك الحق ، فلم يستغث بجبريل ولا احتال على السؤال من اللّه ، بل رأى الحق سبحانه أقرب إليه من جبريل عليه السلام ، ومن سؤله ، فلذلك سلمه من نمروذ ونكاله ، وأنعم عليه بنواله وإفضاله ، وخصه بوجود إقباله ومن ملة إبراهيم معاداة كل ما شغل عن اللّه ، وصرف الهمة بالود إلى اللّه لقوله تعالى : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ [ الشعراء : 77 ] ، والغني إن أردت الدلالة عليه فهو في اليأس . وقد قال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه : أيست من نفع نفسي لنفسي ، فكيف لا أيأس من نفع غيري لها ، ورجوت اللّه لغيري فكيف لا أرجوه لنفسي « 1 » ؟ وهذا هو الكيمياء والإكسير الذي من حصل له حصل له غنى لا فاقة فيه ، وعز لا ذل معه وإنفاق لا نفاد له ، وهو كيميا أهل الفهم عن اللّه تعالى . قال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه : صحبني إنسان وكان ثقيلا علي ، فباسطته فانبسط ، وقلت : يا ولدي ما حاجتك ؟ ولم صحبتني ؟ قال يا سيدي قيل لي : إنك تعلم الكيمياء ، فصحبتك لأتعلم منك ، فقلت له : صدقت وصدق من حدثك ولكن إخالك أي أظنك لا تقبل فقال : بل أقبل فقلت : نظرت إلى الخلق فوجدتهم على قسمين : أعداء وأحباء ، فنظرت إلى الأعداء فعلمت أنهم لا يستطيعون أن يشوكوني بشوكة لم يردني اللّه بها ، فقطعت نظري عنهم ، ثم تعلقت بالأحباء فرأيتهم لا يستطيعون أن ينفعوني بشيء لم يردني اللّه به فقطعت يأسي منهم ، وتعلقت باللّه فقيل لي : إنك لا تصل إلى حقيقة هذا الأمر حتى تقطع يأسك منا كما قطعته من غيرنا أن نعطيك غير ما قسمنا لك في الأزل .
--> ( 1 ) والمعنيان في حزبه الكبير عند قوله : " اللهم إنا قد عجزنا عن دفع الضر عن أنفسنا . . . " إلخ ، وفي حزب البحر عند قوله : " إن أبطأت غارة الأرحام وابتعدت . . . " إلخ ، وقوله قبلها : " عدت العادون وجاروا . . . " إلخ .